بعدما أصدر سلمان السعود، ملك السعودية، مرسوماً ملكياً يسمح فيه للمرأة بقيادة السيارات، وذلك بعد مائة عام تقريباً من صدور أول رخصة قيادة لسيدة مصرية تدعى عباسية فرغلي في عام  يوليو 1919م، أكد لنا التاريخ الذي لا يقبل  الحيل والتلاعب، مدى الفرق بين مصر الحضارات التي غيرت ملامح الإنسانية وبين أصحاب الرخصة الحديثة.

نعم مصر ومنذ عقود طويلة تعيش حلقات من حقب ظلام، ثقافة غلاة الحنابلة القادمة من بلاد نجد، محملة على فتاوى دينية تترصد وتتربص بأي تقدم، وتصطدم مع أي فكر مستنير, وبصرف النظر عن الظروف والملابسات والمبررات السياسية التي جعلتنا كأمة مصرية تعتز بموروثها الحضاري والثقافي، نسمح بالمد  الثقافي البدوي الوهابي داخل ثنايا مجتمعنا، الذي صار حالة ما بين قبيح ومسخ، أسفل النقاب واللحى والجلباب القصير،  حتى فقدنا الهوية والملامح والشخصية المصرية التي طالما علمت العالم واستوعبت كل تجارب وحضارات الأمم من إغريقي وفينيقي وبطلمي وروماني.

لذا فآن الآوان في مثل هذا المنعطف التاريخي الدقيق الذي تمر به المنطقة من تغيرات خطيرة، قد تعصف بدول بأكملها بالتقسيم أو الاجتياح العسكري الصريح إن لزم الأمر، تحت مظلة الصراعات المذهبية أو العرقية، أن يستنفر المجتمع المصري  بكل قواه، ويعيد رسم ملامح هويته وشخصيته مرة أخري، بخلفياته الثقافية والحضارية بداية من الحضارة الفرعونية أصل الأمه والمجتمع، وإزاحة  تراكم غبار الأفكار الرجعية والظلامية.

ولأن أحدث رخصة قيادة للمرأة في العالم كشفت عن قدم ورسوخ القيم الحضارية المصرية التي تتفرد بها الأمة المصرية في المنطقة، جعلتنا نتمسك أكثر بهويتنا وشخصيتنا التي فقدناها مع انبعاثات  ثقافة النفط التي أتت إلينا من خلال حناجر ومنابر تجار الدين الذين ما تركوا فرصة إلا ونالوا من كرامة وحرية وإنسانية صاحبات رخص قيادة السيارات القديمة والحديثة، بالإضافه إلى كل صور الاضطهاد والجمود والتستر وراء  الدين لرفض الحداثة والمدنية.

فبات لزاماً علينا الآن أن نزيل الغبار ورمال الصحراء الصفراء من ثوابت ثقافة مصر البهية، هبة النيل، من خلال مشروع قومي تلتحم فيه كل مؤسسات الدولة الثقافية والفنية والإعلامية والتعليمية والدينية، وليكن هذا المشروع قضية مثقفي مصر، لأنه طوق النجاة الحقيقي من النكبات والكوراث التي تهدد سلام واستقرار المجتمعات التي تبحث عن مكان لنفسها بين صفوف الشعوب المتحضرة.