الألغام تودى بحياة 40 مواطنا بمطروح وتصيب العشرات فى السنوات الست الأخيرة

الألغام تودى بحياة 40 مواطنا بمطروح وتصيب العشرات فى السنوات الست الأخيرة
كتب -

على محمد قوقة- أحد ضحايا الألغام

 

شهادات ضحايا فقدوا أجزاءً من أجسادهم جراء انفجار الألغام

 

مطروح- مجيد الصنقرى:

بلغت حوادث انفجار الألغام فى الست سنوات الأخيرة بمطروح أكثر من 200، تسببت فى مقتل 40 مواطنًا وإصابة العشرات، بينما هناك لائحة طويلة من المصابين القدامى الذين فقد بعضهم أطرافهم، بسبب مخلفات الحرب العالمية الثانية، ليفقدوا معها مصدر رزقهم ولا يحصلون إلا على تعويضات هزيلة من الدولة..

ويتناول هذا التحقيق قصصًا واقعية لضحايا ألغام، فقدوا أجزاءً من أجسادهم نتيجة انفجار اللغم فيهم، أو فقدوا مصدر رزقهم لعجزهم عن العمل، ولحصار الألغام لمناطق الرعى والزراعة.

الألغام لعبة للأطفال

يقول الحاج قاسم الطيب الصريحى (77عامًا) من مدينة الضبعة: كان عمرى حوالى 10 سنوات حين انفجر فى اللغم، حيث خرجت ذات صباح من عام 1955 ألهو مع إخوتى وراء الأغنام، فوجدت جسما غريبا كنا نطلق عليه اسم “بنبة” وكان يتواجد بكثرة، فأخذت ألعب بهذا اللغم وأطرق عليه بالحجارة، وكلها لحظات وانفجر وفقدت الوعى، فذهب بى أبى إلى مستشفى الشطبى بالإسكندرية وهناك تم بتر أصابع اليد اليسرى و3 أصابع باليد اليمنى، إضافة إلى فقد عينى اليسرى وتهتكات بالرجلين تسببت فى عجز بنسبة 80% .

ويتابع: لم تكن هناك عناية فى المستشفى ووصل الإهمال أن رأيت الدود يخرج من أصابعى، فقرر أبى الخروج من المستشفى والذهاب إلى الطب البدوى، حيث عولجت على الطريقة البدائية فى ذلك الوقت، لأن محافظة مطروح كانت عبارة عن إقليم يتبع الإسكندرية، ولم تكن هناك رعاية صحية لأهل البادية.

زرعوا الشر

ويضيف الصريحى: لا نجد أى اهتمام من الدولة بالمتضررين من الألغام التى لا ذنب لأهل البادية فيها، فالدول تقف بجوار الظروف وقسوة الحياة فى الصحراء وخطر الألغام، فلا تعويضات ولا مرتبات للمصابين سوى 700 جنيه كل عام، وأغلب المتضررين يعانون من عجز يتعدى ال60%، وأغلبهم من الأطفال، فأصبحت الألغام مصيدة للأطفال الذين اتخذوها لعبة، فنحن كمصابين نطالب برفع قضايا على الدول التى كانت مشتركة فى الحرب العالمية التى زرعت الشر فى صحراء مطروح، الذى يحصده أهل البادية منذ أكثر من 100 عام وحتى وقتنا هذا.

بسبب لغم فقدت شبابى

أما محمد قنفود فيقول: انفجر فىّ لغم وأنا عمرى 24 عامًا بمنطقة العلمين، كنت أرعى أغنام أحد أصحاب الماشية فى المنطقة، وكما هو معروف أكثر المناطق التى يوجد بها النباتات الصحراوية والحشائش هى منطقة الألغام، لأن أهل البادية لا يزرعون القمح ولا الشعير ولا الأشجار، فبطبيعة الحال تتكاثر بها النباتات التى تنمو على مياه الأمطار، فكان أصحاب الماشية يتركونها فى هذه المنطقة، فهى خفيفة الوزن على الألغام وأقدامها رفيعة.

ويضيف قنفود: فى ذات مساء وأنا أتتبع الأغنام داخل المنطقة انفجر اللغم فلم أرى شيئًا، وتم إسعافى بالإسكندرية وبترت ساقى اليسرى وأصبت بتهتكات بجسمى تم علاجها وخرجت من المستشفى، وإلى عام 2012 وأنا أمشى على عصا بدون جهاز إلى أن تم استدعائنا من القوات المسلحة بمكتب الحربية بالقاهرة، وتم تسليمنا جهاز ساق صناعى لكى نتمكن من المشى عليها، ولم تصرف لنا أى مبالغ من الحكومة.

خسرت مهنتى والدعوى القضائية

ويتذكر على محمد قوقة (62 عامًا): كنت أزرع أشجار التين عام 1994 بجانب البيت، حيث كنت أقوم بأعمال الحفر لغرس الأشجار، وأثناء الحفر انفجر اللغم فى جسدى ففقدت الوعى، وتم نقلى لمستشفى الضبعة فى سيارة أحد الجيران، ومن هناك الى مستشفى الجامعة بالإسكندرية وتم عمل الإسعافات الأولية، وفى اليوم التالى تم بتر اليد اليسرى وبعض أصابع اليد اليمنى وأصبت بانفجار بمقلة العين اليسرى وفقدت العين اليمنى، وحروق من الدرجة الاولى والثانية، وبعد فترة العلاج تم إخراجى بتقرير على أن يتم عرضى على الطب الشرعى، للتأكد مما إذا كانت الإصابات ناتجة عن لغم أرضى لاستكمال العلاج على نفقة الدولة، ولكن لم يتم عرضى على الطب الشرعى فتوجهت إلى منزلى واكتفيت برفع دعوى قضائية.

ويضيف: حررت محضرًا فى قسم شرطة الضبعة التى حضرت إلى المكان للمعاينة، ثم رفعت دعوى لكى يتم تعويضى وعمل مرتب شهرى، لأنى لا أستطيع العمل، ووكلت محاميا وبعد عامين خسرت القضية، وحتى الآن لا أتقاضى سوى معاش التامينات 353 جنيهًا وذلك حسب القانون 12 الخاص بالمزارعين المؤمن عليهم، والـ 700جنيه سنويًا تعويض، ولايوجد لدى دخل آخر فمهنتى كانت الزراعة التى عجزت عن ممارستها ولم تعوضنى الدولة .

ويتابع قوقة: أطالب الحكومة والجهات المختصة التعويض وعمل مرتب شهرى يساعدنى على المعيشة وتربية أبنائى، وعلاج ما تبقى من عينى اليسرى التى تكاد أن تنعدم الرؤيا بها.

رعب الألغام وصل الزرادى

أما مثقال باتل القاسمى فيقول إن الألغام تسببت فى إنقطاع الحياة تمامًا فى بعض المناطق، فمصدر دخل أهل البادية هو الماشية والزراعة، والألغام تعوق حصولهم على لقمة العيش، فالألغام تنفجر فى الأطفال ورعاة الأغنام والمزارعين.

ويضيف باتل: حتى فى رحلات الزرادى التنزهية لأهل البادية فى الصحراء وبين الوديان، نجد الألغام تمنع الكثير من الرحلات، فأصبحت مصدر رعب للكبير قبل الصغير، وسط اللامبالاة من قبل الحكومة والجهات المختصة، ونحن كأهل بادية نطالب بتمشيط صحراء مطروح وخاصة المناطق المعروفة مثل العلمين والضبعة لإزالة الألغام، لأنه ليس باستطاعة أحد القيام بذلك إلا القوات المسلحة، أو شركة متخصصة بمساعدة القوات المسلحة.

ويتابع: كنت أعمل بأحد الشركات المتخصصة فى إزالة الألغام ولكن لم تستكمل عملها بسبب ظروف خاصة بها أو بسبب صعوبة العمل، وأزالت الشركة كميات كبيرة كانت كفيلة باستنزاف أهل البادية لعدة قرن قادمة، ولكن لأسباب غير معلومة رحلت الشركة وتركتنا نعانى مانحن فيه، ونواجه مصيرنا بأيدينا، ولا حياة لمن تنادى.