“الترفاس” غذاء فقراء البادية قديمًا يتحول إلى وجبة للأغنياء فقط

“الترفاس” غذاء فقراء البادية قديمًا يتحول إلى وجبة للأغنياء فقط
كتب -

مطروح – غادة الدربالى:

يعرف فى مطروح ودول المغرب العربى باسم” الترفاس” ويشتهر فى الخليج بـ”الفقع”، وهو من أنواع الفطريات التى تنمو بشكل طبيعى فى الصحراء، حيث أوصى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بها فى حديثه الشريف” الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين”

الطعمة للزبدة والشكيرة للترفاس

يحكى عبد الله راغب الجميعى 70 عامًا ذكرياته مع الترفاس، حيث شاهد أجداده وأبويه وهم يتناولونه، لأن أهل البادية قديما كانوا يعيشون على خيرات الصحراء ويتناولون الأعشاب الطبيعية، وبفطرتهم كانوا على دراية تامة بما هو مفيد وما هو ضار، فكانوا يأكلونه مشويًا مع الملح أو محمرًا بالزبد، أو مع الأرز وكذلك باللبن المالح، ويقولون عنه باللهجة البدوية “الطعمة للزبدة والشكيرة للترفاس”.

ويوضح الجميعى أن فطر الترفاس مرتبط خروجه من الأرض بالمطر “البدرية” فى الفترة من 15 سبتمبر وحتى 15 أكتوبر فى موسم الشتاء وأهل البادية يعرفونها، فإذا نزلت فى هذه الفترة علموا أن إنتاج الترفاس هذا العام وفير، وإن تأخرت هذه الأمطار عن الفترة المحددة علموا أن الإنتاج قليل وقد يكون نادرًا.

ولأن الترفاس لا ينمو إلا فى الأرض الجدباء، أى الصحراوية التى تقل فيها أقدام البشر وينتشر فيها الترفاس لمسافات متباعدة، يعرف أهل البادية أماكن وجوده بعشب صحراوى ينمو ملازمًا له يعرف باللهجة البدوية “الريجة” والمعروفة بنبات “الرقروق”، فأينما وجدت “الريجة” وجد” الترفاس”.

ويشير الجميعى إلى أن أكثر الأماكن التى ينتشر بها الترفاس هى الحدود الجنوبية الغربية بين مصر وليبيا، والمناطق الجنوبية على بعد 40 كيلومترًا جنوب السلوم وبرانى والحمام بمطروح.

فى الخليج أيضًا

ويوضح الجميعى أن الترفاس له أهمية تراثية فى دول الخليج، وخصوصًا الأجيال الحديثة، ويرجع ذلك لأنه كان غذاءًا رئيسيًا لأجدادهم قبل اكتشاف البترول والطفرة الاقتصادية التى تعيشها تلك الدول الآن، فيسمع الشباب من أجدادهم عن “الترفاس” وأنه مفيد ومغذى للإنسان، خصوصًا أن الأقاويل اقترنت بفطر الترفاس على أنه منشط قوى للرجال، وأنهم كانوا يتناولونه كأهل مطروح لضعف حالتهم الاقتصادية وعدم توافر الطعام.

الزبيدى والخلاسى

ويعدد فاروق أبوظاوة العشيبى أنواع الترفاس التى بلغت 30 نوعًا فى العالم، ولكن منطقة المغرب العربى بوجه عام وفى صحراء مطروح الغربية بوجه خاص يشتهر فيها نوعان؛ الأول وهو الترفاس الأبيض المعروف بالـ”زبيدى”، وهو أفضل الأنواع وأغلاها، والثانى الترافس الأحمر المعروف بالـ”الخلاسى” وهو جيد ولكن أقل سعرًا إضافة إلى نوع ثالث وسط بينهما وهو الترفاس “الأشهب”.

أهمية اقتصادية

وعن الأهمية الاقتصادية للترفاس يقول العشيبى إن فترة الثمانينيات شهدت قلة فى سقوط الأمطار بدول الخليج، وكذلك فى مطروح حتى عام 1991، وفيه هطلت أمطار غزيرة لم نراها من قبل، وفى هذه الأثناء تصادف وجود بعض الخليجيين ممن يحبون رحلات السفارى والصيد فى صحراء مطروح، واكتشفوا وقتها وجود فطر الترفاس فى صحرائنا، ونظرا لأهميته عندهم بدأ فى مطروح ما يعرف بسوق الترفاس، الذى عمل فيه قطاع عريض من أهالى مطروح وقتها، من الذين خرجوا لجمع الترفاس من الصحراء لبيعه إلى الخليجيين، وشهد رواجًا كبيرًا وحقق مكاسبًا جيدة وقتها.

وزن الثمرة يصل إلى كيلوجرام

ووفقًا للعشيبى كان سعر كيلو الترفاس فى التسعينيات يترواح من 10 إلى 15 جنيهًا، وكان مبلغ ذو قيمة وقتها، بينما يصل الآن كيلو الترفاس “الزبيدى” إلى 400 جنيه للكيلو، والترفاس الأحمر 250 جنيهًا، حيث يفضل الخليجيون “الزبيدى” لأنه ألذ فى الطعم ولكنه اقل فى التحمل، ويتعرض للفساد بسرعة، فلا يتحمل أكثر من أسبوع إذا ما حفظ بطريقة خاطئة، بينما صلاحية الترفاس الأحمر تصل لأسبوعين ولكنه ليس بجودة مذاق الزبيدى.

ويشير إلى أن حجم الترفاس يتحكم فى سعره، فكلما كانت الثمرة أكبر لكما ازداد سعر الكيلو، وأفضل توقيت لجمعه هو شهر فبراير، حيث يكتمل نمو الثمرة وتصبح كبيرة الحجم كفاية، ويتراوح وزن الواحدة من 400 جرام إلى 1 كيلوجرام،  إلا أن الجمع الجائر أو المبكر للترفاس يفقد المنتج قيمته وسعره، حيث يقوم البعض بجمعه قبل أن يكتمل نموه، فيكون وزن الحبة من 50 إلى 100 جرام فقط، وهذا يؤثر على السوق ونشاطه.

رحلات جمع الترفاس

تتراوح مدة رحلات جمع الترفاس فى الصحراء بين 4 و6 أيام، وتحتاج إلى سيارة ذات دفع رباعى ضد الغرس، وألا يزيد عدد الأشخاص عن 3 فقط، لتوفير مكان للترفاس إذا ما وجد بكثرة، كذلك يتم أخذ فراش للنوم وطعام يكون غالبًا “نواشف” واللحم المملح “القديد”.

ومن الأدوات المستخدمة “المنقاش”، وهو عبارة عن عامود حديدى له مقبض محكم، وفى نهايته طرف مسنون، بحيث يستخدم فى الحفر بالرمال حول ثمرة الترفاس بدون تجريحها لتخرج سليمة، حيث تنبت الثمرة على بعد 15 إلى 20 سم تحت سطح الأرض، وكلما اكتملت فى النمو تشق الأرض ليظهر 20% فقط من حجمها.

بعد إتمام عملية جمع الترفاس توضع فى صناديق بلاستيكية أو خشبية جيدة التهوية، وبعد العودة من الصحراء تفرش ثمار الترفاس داخل غرفة ذات أرضية ترابية نظيفة جيدة التهوية، ثم يتم تعبئتها وتصديرها إلى الخليج.

لا يحتاج إلى تجفيف

الترفاس لا يحتاج إلى التجفيف وإلا فسد وفقد قيمته الغذائية، ولكن هناك إمكانية لحفظه فترة طويلة من خلال إزالة القشرة الخارجية الخفيفة، ويتم غسله جيدًا وغليه لدرجة متوسطة، ثم يوضع فى أكياس ويخزن فى الثلاجة، أما فى دول الخليج فيتم تعبئته فى علب كالبقوليات وعيش الغراب، وفى الدول الأجنبية يستخدم كنوع من المقبلات مع المشروبات الكحولية، ويحتوى فطر الترفاس على عناصر الفسفور والبوتاسيوم والصوديوم والكالسيوم وفيتامين ب 1و2و3 والرايبوفلافين، كما يحتوى على ألياف وحمض الفوليك والنحاس والسيلينوم، وهو معدن نادر جدًا فى المواد الغذائية وأهميته كبيرة بالنسبة للخصوبة عند الرجال، وبالنسبة للمتخصصين تركيبة الترفاس الكيماوية فريدة لأنها تجمع العناصر النادرة فى الأغذية، التى تسبب اضطرابات خطيرة كلما نقصت.

المحاذير والفوائد الطبية

يستخدم الترفاس لعلاج هشاشة الأظافر وتشقق الشفتين واضطراب الرؤية، كما يحتوى على كمية كبيرة من البروتين، ويستخدم كالكحل يصلح البصر ويقوى أجفان العين، كذلك يحذر أكل الترفاس على المصابين بأمراض المعدة والأمعاء، لأنه عسر الهضم.