زيارة الأضرحة في مطروح بين العادة القبلية والدعوة السلفية

زيارة الأضرحة في مطروح بين العادة القبلية والدعوة السلفية
كتب -

مطروح- مجيد الصنقري:

ظلت زيارة الأضرحة والقبور، عادة مصرية قديمة، منتشرة في العديد من العائلات التي تقدر هذه الطقوس، وتحرص على إحياء موالد من يطلقون عليهم أولياء الله الصالحين، وهي الظاهرة التي بدأت في الذوبان ونساها المجتمع في المجتمعات المدنية، لكنها في البادية لا تزال تشكل واحدة من أبرز الظواهر في حياة أهل البادية، إذ أنهم يلجأون للأضرحة لكشف الغمة وإزالة الهموم والدعاء عند الضريح وطلب المدد منه، وهو الأمر الذي كان سائدا في ربوع مصر وقراها وحواريها الشعبية، غير أن دخول الدعوة السلفية مصر، والتي تنكر أي فضل أو مساعدة إلا من الله، ويذهب بعض مشايخها إلى تحريم وتكفير المتمسحي بالقبور، جعل الظاهرة تختفي قليلا وتنحصر في بعض المساجد المقبورة، لكنها في مجتمع البادية اصطدمت بعقائد ومعتنقات أهل البادية الذين لا يجدون ملجأ لحل مشاكلهم إلا بزيارة الأضرحة، وتقديم النذور إليها.

يقول عطية الشكو بوالصحفاق؛ يذهب كثير من أهل البادية قديما إلى الأضرحة والتى تعرف عند أهل البادية بـ”الشيخ” أو “سيدى فلان”، كما يطلق عليها كبار السن، وهى عبارة عن غرفة مبنية من الحجارة والطين بجوار قبر الشيخ تبلغ مساحتها حوالي 20 متر مربع, فتذهب العائلات ومعها الطعام، فهناك من يذهب كل عام وهناك من يذهب بشكل دوري كل أسبوع أو كل شهر، ويصطحبون الأطفال ويتركون المال.

ويضيف؛ كل من ضاقت به الحياة يذهب إلى الضريح أو الشيخ  فهم يعتبرونها المرجع والملبى لدعائهم، والتقرب منه يكون سببا فى جلاء الهموم والغموم كما يعتقدون، وكل من تضيق به الحياة يوجهونه إلى الضريح, وهذا ما يعتقدون به، لدرجة التبرؤ ممن يسب أو يشتم أو يستهزئ بالشيخ صاحب القبر، والذى هو في نظرهم الضار النافع.

النذور

ويتابع بوالصحفاق، إن من طقوس زيارة الأضرحة؛ النذور، وهى أن يُنذر شخص شاه لكى يقوم بذبحها، فى أول زيارة للضريح فيقوم بقطع جزء من أذن الماشية سواء من الأغنام أو الماعز، وذلك ليعم الخير ويسقط المطر, وهناك عائلات غنية وميسورة الحال تذهب بالمال والقمح والشعير إلى غرفة الشيخ، وكل الأطعمة التى تتحمل التخزين وتوضع المبالغ المالية في ركن معين من الغرفة لكي يأتي الفقير والمحتاج, فمنهم من يأخذ المال ومنهم من يأخذ الطعام كل على حسب احتياجه, وليس هناك حراسة على الغرفة لحماية المال أو الطعام من السرقة فلا يجترئ أحد على سرقة المال أو أخذ الطعام إلا الفقير أو المحتاج والذي هو معروف لدى الجميع, كما أن اللعنة تصيب كل من قام بالسرقة ويعرفونه عن طريق “التكازة” والتي هى أيضا من الجاهلية، فيعرفون من قام بأخذ المال أو الطعام لذالك كان يترك المال والطعام للفقراء فقط.

تراب الأضرحة

ويرى حمودة عبدالوكيل الصحفاق، أن كثير من الذين يذهبون لزيارة الأضرحة وغرفة الشيخ، يأخذون من التراب الذى يوجد داخل الغرفة، خاصة النساء، فيقومون برش التراب الناعم على رؤوسهن وفى جنابات المنزل أو الخيمة, وذالك لكي يتم التخلص من حالة الفقر أو “النحس”، كما يُستخدم التراب كعلاج وعمل حجاب يحجب عنهم الشر.

ويتابع الصحفاق، قائلا يقدم الكثير من أهل البادية قديما على زيارة الأضرحة بغرض العلاج والوقاية من السحر, فيأخذون الطفل الذي تصيبه “العين”، التعبير الشعبي للحسد، حيث يتم رش التراب على كل شئ جميل من الأطفال والحيوانات وتلطيخها بالتراب والطين والفحم.

حلف اليمين

ويضيف الصحفاق، في النزاعات القبلية أو العائلية بين المتنازعين في البادية، سواء كانت على الماشية أو الأرض أو مبلغ مالى، وعند توقيع اليمين من المشرع على شخص أو خصم معين من المتنازعين، يذهبون إلى غرفة الشيخ، وحلف اليمين باسمه، حيث يقولون: وحق سيدي فلان، كما يذهبون الآن إلى حلف اليمن داخل المسجد, كما يستغيثون بالشيخ، من أجل سقوط الأمطار وذهاب الأمراض عنهم وعن الماشية فهو المرجع والملجأ لهم.

ويضيف: “كانت هناك فرق كانت تتواجد فى البادية قديما، وهى فرق مدح وطبلة الدف، مستخدمين فيها أدعيىة موجهة للشيخ أو صاحب القبر داخل الزاوية، ويتناولون فيها الشعر الدينى، ويحييون فيها أياما بلياليها من كل عام، فيقيمون 3 أيام بجوار الزاوية أو الشيخ”.

الأضرحة والشيعة

ويقول نور عبدالغفار الصنقرى، بالنسبة للزوايا فهى من صنع الحركة السنوسية، وأتت إلى صحراء مطروح قادمة من ليبيا، فأنشأت الزوايا فى أماكن مختلفة على أن تكون بين الزوايا مسافة 20 كيلو، وهى عمل جيد هدفه تعليم القرآن والسنة النبوية، وكان الشيخ الذي يتواجد داخل الزاوية، يقوم بتحفيظ الأطفال القرآن، مقابل الإنفاق عليهم ليكونوا متفرغين تماما للعلم, ثم أتت الصوفية، وكانت تعرف فى ذلك الوقت بالصوفية الشيعية، فقامت ببناء الأضرحة على قبور مجهولة، وتسميتها بأنها قبور من السلف الصالح، ويجب التقرب والتعبد لها، مستغلين بذالك جاهلية الناس، وعدم معرفة الناس بأصول الدين فى ذلك الوقت، وقاموا بنشر هذا الفكر الجاهلي والطواف على الأضرحة والذبح لهم.

ويضيف الصنقرى، كل من يمس الشيخ صاحب القبر أو الزاوية، بكلمة سيئة يقف الجميع في وجهه، بل ويتخاصمون معه، من أجل الشيخ، الذي هو خط أحمر، بالنسبة لهم فهو الملبى لمطالبهم واحتياجاتهم، والتبرك به لسقوط الأمطار كما يعتقدون, كما يتم تخويف كل معتدى أو خصم بلعنة الشيخ ومن شدة الخوف من هذه اللعنة، فأهل البادية يتركون المال والطعام عند قبر الشيخ دون خوف عليه من السرقة، فهم يعلمون عاقبة المعتدي من الشيخ كما يعتقدون.

الدعوة السلفية

ويقول على ربيع الجميعى؛ فى عام 1993 قامت مجموعة غير معروفة إلى الآن بهدم الزوايا وغرف الشيوخ فى ليلة واحدة وتسويتها بالأرض، وهذا ما استنكره الكثيرين من كبار السن، بينما اعتبره آخرون إزالة لعهد الجهل والتخلف والتمهيد للطريق الصحيح ونشر تعليم القرآن، ومنذ ذلك الوقت بدأ الكثير بقطع الزيارات للشيوخ والزوايا، بعد قدوم الدعوة السلفية، لكن حتى الآن لا زال العديدين يعتقدون أن الزوايا تنفع وتضر.