ربما يعلم البعض أن أبحاث المأثورات الشعبية، هي بالضرورة أبحاث (ميدانية) أو يجب أن تكون.

وهذا قول ليس فيه جدل أو مساومة – ذلك أن البعض الآخر يتخيل أنه يستطيع عمل بحث في هذا الموضوع معتمداً على قراءاته وتقديم مجرد بحث مكتبي، وهذا هو الفرق بين الأبحاث التاريخية والبحث في علم الفولكلور (folklore) أو علم المأثورات الشعبية فالأولى نعتمد فيها على ما كتبه السابقون ودونوه في مراجع حتى وإن اختلفت الآراء أو وجهات النظر في تأويل أو تفسير الأحداث التاريخية في تلك المراجع إلا أن الأحداث التاريخية هنا تبقى مجرد أحداث في زمن مضى.

ويبقى التغيير في تفسيراتها فقط دون المساس بكونها حدثت وتوقفت عند حد زمني معين وقد يندرج تحت هذا ما يسمى بالتراث، أما المأثورات الشعبية فتختلف عن ذلك تمام الاختلاف، فهي ديناميكية وهذا هو الفارق.

فالتراث هو تاريخ كل مظاهر الحياة الشعبية في مجتمع ما سكن بيئة أو منطقة ما، أما المأثور فهو ما استمر من ذلك التراث في ممارسات هؤلاء السكان في نفس المنطقة ولكنه استمر لقوة تأثيره في عاداتهم ومعتقداتهم وعدم قدرتهم على الاستغناء عنه وفي ذلك الكثير من الأمثلة نذكر منها تفاؤل وتشاؤم العرب بحيوانات وطيور وأوقات وأحداث معينة: القطة السوداء – البومة – الغراب – المولود الجديد … إلخ

وكذا الطقوس المتبعة في كل دورة الحياة منذ الميلاد وحتى الممات.. على أيه حال ففي كل دراسة أو بحث في تلك المجالات لا يصح إغفال الأصل التاريخي للظاهرة الشعبية وهذا الأصل هو التراث.

ومن نافلة القول إن المنهج التاريخي يعد واحداً من أهم مناهج البحث العلمية في شتى العلوم ولا يستطيع باحث أن يتغاضى عن تاريخ العلم الذي يبحث فيه.

وهكذا تتضح أهمية أن يتم جمع عناصر ومظاهر التراث ميدانياً حتى يكون ما نبحث فيه عنصر واقعي موجود بالفعل وليس تاريخ يحكى أو خيال مختلس.

وقد يقودنا هذا الأمر إلى الحديث عن أصول البحث الميداني التي تكون هي الأخرى علم قائم بذاته.

ولعل ما سبق هو مجرد تقديم لموضوع أردت أن أشارك القارئ الكريم في التعريف به وهو موضوع المأثور الشعبي والذي يمثل هٌوية الشعوب والمكون الرئيس لملامحها، وهو أمر بلغ من الأهمية أن تحاول دول وكيانات ليس لها أي تاريخ أو ملامح – سرقة الكثير من عناصر التراث الشعبي لدول أخرى وتنسبه لنفسها وفى هذا المجال نرى محاولات (البعض) لا تتوقف، فهم لا يملوا أو يكلّوا في رسم هوية لشعب متعدد الأصول والجنسيات، تم تجميعه من شتى بقاع الأرض وأمثلة تلك المحاولات كثيرة ومتعددة قد يكون أكثرها جرأة وبجاحة هي محاولة ادعاء بناء الأهرامات!!

ومن هذا المنطلق يصبح الحفاظ على التراث، والاهتمام بالمأثور والموروث الشعبي قضية أمن قومي إن جاز لنا هذا التعبير، ولعلنا نستطيع في مقالات قادمة تقديم المزيد من ملامح الهوية الثقافية لمصر عامة، ولمنطقة إقليم مريوط والساحل الشمالي الغربي خاصة، فليس ادعاءً أنها منطقة ذات خصوصية ثقافية جديرة بالدراسة ونافعة في ترسيخ الكثير من القيم والمفاهيم الأصيلة الراقية.