في المقال السابق، تناولنا واستعرضنا كيف كانت الجماعات المتأسلمة وعلى رأسها جماعتي الإخوان والدعوة السلفية، يشكلان أجنحة توازن سياسي لنظامي دولة 1977م، “السادات –مبارك”، المدعوم أمريكياً بالمال والسلاح والسياسة، وكيف وقع ثوار يناير في فخ قبول هذه الجماعات بين صفوفهم، بينما هي في حقيقة الأمر بمثابة الظهير الشعبي الحقيقي للنظام.

وبعد صدامهم مع نظام ثورة 30 يونيو، أصابهم التخبط والتناقض في كل شئ وأي شئ، فأصبحوا ينادوا بإقامة دولة الخلافة الإسلامية وتطبيق الشريعة، ومحاربة ومحو الكيان الصهيوني، من على منبري الكونجرس ومجلس الشيوخ الأمريكيين، ومن بين أروقة مجلس العموم البريطاني، ومن على نواصي شوارع مدينة الضباب لندن.

فضلاً عن تمرسهم في الدولة العلمانية التركية، والذين يعايرون بتقدمها ونظامها السياسي عموم الشعب المصري والعربي، لكونها طوق نجاة لمشروعهم الإسلامي، بينما الترك شغلهم الشغال كيف يصبحون عضواً في الاتحاد الأوربي، الذي يلزم أعضائه باحترام حقوق المثليين والشواذ والحرية الجنسية، ووقوف الدولة على مسافة واحدة بين كل الأطياف والمذاهب

والأعراق، وهي ثوابت للاتحاد لا استثناء فيها لأحد. كذلك يتخذون دويلة قطر منصة لرشق خصومهم بالسباب والشتائم والتقارير الإخبارية الملتبسة، من خلال قناة الجزيرة، بهدف زعزعة النظام المصري، تمهيداً لزواله، واستبداله بنظام ديمقراطي مدني قادم من دويلة لا تمتلك برلماناً، وليس لكلمة الديمقراطية ذكراً في دستورها، ولا علاقة لنظامها الحاكم من قريب ولا من بعيد بالديمقراطية.

إذن نحن أمام جماعة تجاوزت منطقة التناقض مع الذات، وباتت في منزلة الأضحوكة، بعدما صارت كالبهلوان الذي يرقص بطريقة هيستيرية، بعد أن أمسكت فيه النيران، ولا يدرك أن لحظات تفصله عن نهاية وجوده.

وهنا على الجميع أن يدرك حقيقة هذه الكتلة المعطلة لأي طموح شعبي نحو المستقبل، فزوال هذا الكيان بكل سمومه بات وشيكاً، ويجب ملئها بكيان آخر جديد، مستنير خطابه، وخطواته تكون صوب المستقبل، ويهدف إلى مكانة مرموقة بين الأمم، وليس بين قبور الأموات.

وهنا يبرز التحدي لكلا الطرفين، مؤسسات الدولة من جانب، وعموم الشعب من جانب آخر، ولا سيما القوى الثورية والسياسية والمدنية في رفض ولفظ دولة 1977م نظاماً وأجنحة. وعلى هذا الأساس لابد وأن يعمل الجميع، دولة ومؤسسات وقوى مدنية، فالخصوم وأعداء الثورة باتوا مكشوفين الصفوف، وتلونهم وادعاءاتهم لم تعد تجدي، وحيلهم باتت تصرفات صبيانية مضحكة قبل أن تكون مكشوفة، وإن كانت ذات أثار مدمرة، لكن المستقبل القادم بدونهم سيفرض وجوده، شاء من شاء وأبى من أبى.