أول جراح بمطروح.. الراحل محمود خليل ومواقف إنسانية خلدت ذكراه

أول جراح بمطروح.. الراحل محمود خليل ومواقف إنسانية خلدت ذكراه

عرفت محافظة مطروح أول طبيب جراحة عامة في تاريخها عام 1962م، بتعيين الدكتور محمود خليل بمستشفى مطروح العام، عقب تخرجه بتفوق بكلية طب القاهرة، وكان ترتيبه الثاني عشر على دفعته.

وعمل الطبيب الراحل محمود خليل، مديرا لمستشفى مطروح العام، وكانت تضم آنذاك وحتى منتصف السبعينات خمسة أطباء، هم: محمد سعفان، أخصائي الباطنة، وميخائيل وديع، أخصائي الأشعة، ومحمود رمضان، وأحمد خفاجة، أخصائيي أمراض النساء والتوليد، ومحمد عبد الكريم، أخصائي الأسنان.

وكانت سعة المستشفى آنذاك، 80 سريرا، وبها طاقم تمريض يضم 8 حكيمات، كما كان يطلق عليهن زمان.

أطباء زمن القيم المهنية والمبادئ الإنسانية

ويقول الدكتور ملاك عبيد، استشاري الأنف والأذن والحنجرة، إنه عمل حوالي 10 سنوات مع الدكتور محمود خليل، منذ نقل إلى مرسى مطروح عام 1972م، وحتى وفاته عام 1982، وتعلم منه الكثير من القيم والمبادئ المهنية، والإنسانية، والاجتماعية.

ويحكي ملاك، أن الدكتور الراحل محمود خليل، كان لا يغادر عمله إلا لأوقات قليلة جدا، ومتقطعة، وخاصة أن استراحته كانت داخل المستشفى.

ورغم تخصصه في الجراحة، إلا أنه كان يقوم بعلاج إصابات العظام، لعدم وجود طبيب متخصص خلال فترة الستينيات، من القرن الماضي، كما كانت أغلب الحوادث التي ترد إلى المستشفى مصابة بكسور نتيجة حوادث الطريق الصحراوي، وكثافة حركة العبور بين ليبيا، ومصر آنذاك.

مستشفى مطروح العام قبل نصف قرن
مستشفى مطروح العام قبل نصف قرن

أصعب عملية 

ويتذكر الدكتور ملاك عبيد، أنه في أحد أيام صيف عام 1978م، وبعد انتهاء مواعيد العمل وانصرافه إلى منزله، وجد الدكتور محمد سعفان يطرق الباب، ويخبره أن الدكتور محمود خليل يطلب منه العودة إلى المستشفى فورا لوجود حالة طارئة وحرجة.

ولما عاد إلى المستشفى وجد خليل في انتظاره وعقد اجتماعا طارئا مع جميع الأطباء، وأخبرهم بأن مشاجرة وقعتبين بعض التجار من ابناء الصعيد في سوق الخضار، واسفرت عن إصابة أحدهم، وأنه في حالة خطرة بسبب وجود نزيف داخلي، ويصعب نقله للإسكندرية.

وطلب الدكتور محمود خليل من الأطباء بذل كل ما بوسعهم، لإنقاذ هذا المصاب، ومنع تطور المشكلة بين الأهالي في حال أصابه مكروه له.

وقاد فريق الاطباء في عملية من أصعب العمليات، لأنه لم يكن بالمستشفى طبيب تخدير، ولا بنك دم، وقام الدكتور ملاك بمهام طبيب التخدير، واستغرقت العملية حوالي سبع ساعات، حيث بدأت من الساعة الثالثة عصرا، وانتهت في العاشرة مساء.

رعاية المرضى والاحتفال بسلامتهم

وظل الأطباء محيطين بالمصاب، في غرفة الإفاقة حتى الساعة الثالثة فجرا، وعندها طلب منهم الدكتور خليل الذهاب إلى بيوتهم لأخذ قسط من الراحة، ولكي يقنعهم بذلك، اكد لهم أنه سوف ينصرف إلى استراحته.

ويضيف الدكتور ملاك عبيد، أنه بعدما وصل منزله، قرر العودة للمستشفى، لمتابعة حالة المصاب، وعندما وصل إلى حجرة العناية المركزة تفاجأ أبالدكتور محمود خليل جالسا بالغرفة، ولم يذهب للاستراحة.

وظل خليل وملاك بجانب المصاب، حتى أفاق في الساعة السابعة صباحا، وتأكد لهما تجاوزه مرحلة الخطر، ومع ذلك لم يذهبا استكملا عملهما بالمستشفى مع بداية اليوم الجديد.

ويؤكد ملاك، أن جميع الأطباء وفي مقدمتهم الدكتور محمود خليل لم يعرفوا الراحة، إلا بعد أن تعافى المصاب وخرج من المستشفى ماشيا على رجليه، وقد اقام الاطباء حفلا بهذه المناسبة.

احتفال الأطباء والتمريض بسلامة المصاب
احتفال الأطباء والتمريض بسلامة المصاب

الطبيب المدير بدرجة إنسان

ويشير ملاك، إلى أن الدكتور محمود خليل على درجة عالية من التواضع، والإنسانية في تعامله مع مرؤسيه من الأطباء بالمستشفى، ويستدل على ذلك بواقعة عندما خالف أحد الأطباء تعليمات إدارية، وغضب بسببها وقاطع هذا الطبيب لعدة أيام.

وتدخل الدكتور ملاك لإزالة سوء التفاهم، وقال للدكتور محمود خليل أنه سيأتي بهذا الطبيب إلى مكتبه ليعتذر له عن الخطأ.

ولما ذهب ملاك لإحضار الطبيب من حجرته، وعند خروجهما للتوجه لمكتب الدكتور خليل، تفاجأ به واقفا أمام حجرة الطبيب، فاتحا ذراعيه له، واحتضنه بحنان الاب دون أي عتاب أو مراجعة.

الرحلة الأخيرة لرائد الطب في مطروح

وظل الدكتور محمود خليل يمارس رسالته الطبية، حتى صدر له قرار نقل لعمل إداري بديوان مديرية الصحة، عام 1982م، حيث وافته المنية، بعد عشرين عام قضاها في خدمة أهالي مطروح.

ويختتم الدكتور ملاك عبيد، أن أصعب موقف عاشه في حياته كان عندما اصطحب جثمان الراحل محمود خليل، لدفنه بالقاهرة، بناء على رغبة شقيقه المقيم هناك.

الدكتور محمود خليل والدكتور ملاك عبيد
الدكتور محمود خليل والدكتور ملاك عبيد
الوسوم