الحلقة التاسعة لتوثيق “دربة أولاد علي” مع الشيخ عثمان أبو الزعالة “دربة البراوة”

الحلقة التاسعة لتوثيق “دربة أولاد علي” مع الشيخ عثمان أبو الزعالة “دربة البراوة”

دربة البراوة

يقول الشيخ عثمان أبو الزعالة، الخبير بدربة أولاد علي، والمحكم العرفي، إن من الدرائب التنظيمية لشئون المجتمع القبلي، “دربة البراوة”، وهي آلية تنظم قرار تتخذه القبيلة لخلع الجاني منها، وتوضح هذه الدربة الأسباب الموجبة للبراوة، وأنواعها، وكلها مبنية على أصول ثابتة في الشريعة الإسلامية.

ومعنى البراءة في اللغة، من التبرأ، وهو التخلص والتخلي، و الأعراف والدرائب، تنطق “البراوة”، وهي إجراء تتخذه القبيلة بفصل أحد الأفراد أو العائلات المنتسبة إليها بعصبية الدم والقرابة، وإعلان ذلك بين القبائل.

البراوة البيضاء

وهناك أنواع من البراوة، لكل منها اسبابه، ونتائجه، والنوع الأول هو “البراوة البيضاء” وهي التي تتم بالتراضي والاتفاق، فعندما تتشعب القبيلة إلى فروع، ويكثر عدد أفرادها، وعائلاتها، وربما تتباعد بهم الديار، وتتحول إلى فصائل يتعذر عليهم الإلتزام المباشر، والنصرة القريبة، وعدم القدرة على ضبط عدد الافراد الملتزمين بدفع حصصهم في الديات، وغيرها واستغناء كل عائلة بنفسها، ففي هذه الحالة تجتمع عائلات القبيلة، في جلسة يسمونها “جلسة فك الإرتباط”، حيث تتم المحاسبة بينهم، وبعدها يكتبون وثيقة للإنفصال، يسمونها “البراوة البيضاء”، وهي براءة للصالح العام للقبيلة، ولا يترتب عليها ثواب أو عقاب، وبهذا تتفرع القبيلة إلى فصائل جديدة، وتكون كل فصيلة منها مسئولة مسئولية كاملة عن أفرادها.

البراوة بالأسباب

أما النوع الثاني من البراوة، فهي “البراوة بالأسباب”، وهي اجراء تتخذه القبيلة بحق الشخص الذي يرتكب عملا خارجا، أو أمرا منكرا يخرج عن عرف الدين وأعراف القبيلة، أو من يقوم بارتكاب جناية في حق قبيلته، أو أي عمل يخل بالعقد القبلي المعروف، والمحدد بشروطه العرفية، فتتنصل القبيلة من هذا العضو من العائلة فصلا نهائيا، وتسحب منه الهوية القبلية، كما تسحب منه شارة القبيلة، ويتم عمل “وثيقة براوة”، يوقع عليها جميع عواقل القبيلة، ويتم هذا الإجراء بعد عقد محاكمة عرفية متخصصة، يستمع فيها المحكمون إلى أقوال “المخلوع”، قبل خلعه، ويجب إعلان حكم البراوة وإشهاره، بين القبائل، وإبلاغ رؤساء القبائل الأخرى به، ولا يعتد بهذا الحكم إلا بعد إشهاره.

البراوة المعلقة

ويضيف أبو الزعالة، أن النوع الثالث من البراوة هي ” البراوة المعلقة”، وهي التي تكون لها شرط، أو عدة شروط، وتكتب بها وثيقة بين أهل البيت الواحد، وتحدد شروط بين الفرد وبين عائلته، وإذا أخل أي طرف بالشروط  “دون ذكر أسمه” تقع البراءة منه، و يجب أن لا يكون في هذه الشروط ما يخالف الشرع أو العرف، ولكنها تكون في القاعدة القرآنية العامة “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”.

براوة التعسف

والنوع الرابع من أنواع البراوة،”براءة التعسف ودفع ثوب الباروة”، وهي البراوة التي تقع على الفرد دون وجود أسباب موجبة لها، ومن حق المتضرر اللجوء للقضاء العرفي، والتحكيم القبلي ، ويمكن للمحكمة أن تخلص للحكم بأحد أمرين، إما بطلان هذه البراوة، إذا كانت مبنية على تعسف لا مبرر له، ويتحمل الموقعين عليها مسئولية أي ضرر يقع على المتبرئ منه، ويجب عليهم تعويضه بما يعرف “الهلبة” والغرامة.

أما إذا تبين لأعضاء لجنة التحكيم مفسدة مؤكدة من إلغاء “البراوة”، لاسباب منها استحالة الوفاق بين الطرفين، فيحكم على من قاموا بعمل “براوة التعسف” لعمير الدم دون أسباب موجبة، بدفع غرامة عن كل فرد من أفراد عائلة المتبرء منه وتقدر بعدد واحد “ابن لبون من الابل” عن كل فرد، وتسمى هذه الغرامة بـ”ثوب البراوة”، وهي بمثابة تعويض للمتبرء منه، وبعد دفع هذا التعويض، يتم الحكم بالبراوة، ويجب أن يكون الحكم موضحا به أنها “براوة بغرامة”.

براوة الطرد

ويكمل الشيخ أبو الزعالة، ذكر النوع الخامس وهو “براوة الطرد”، وهي إجراء تتخذه العائلة بحق الشخص سيء الأخلاق، وكثير النزاعات، وتتم بعد فشل محاولات إصلاحه، ولا يحتاج قرار البراوة منه عقد جلسة عرفية لإصدار حكم، ولكنه مجرد قرار عائلي ، و بمثابة أمر إداري، ويمكن للمطرود أن يصل لإلغاء هذا القرار عن طريق المساعي الحميدة، واسترضاء عائلته.

براوة دار العافية

والنوع لخامس من أنواع البراوة هو “براوة دار العافية”، وسببها يكون بطلب شخص ما بالبراوة من عمراء دمه الذين ارتكبوا جناية قتل عمد ضد طرف آخر من قبيلة أخرى، ويطلب الشخص هذا النوع من البراوة طلبا لدار السلامة والنجاة بنفسه من التزامات هذه الجريمة، والحفاظ على أمنه، وعند موافقة ولي دم المجني عليه يكون العمل بهذه البراوة وفق عدة شروط منها دفع “ثوب براوة” للمجني عليه، و”ثوب براوة” لعمراء دمه المتبرئ منهم، ومقدار ثوب البراوة “ابن لبون من الإبل”، يدفع عن كل فرد بالغ من “طالب البراوة”، كما تحرر وثيقة براوة بين طالبها وبين عمراء دمه ويوقع عليها أولياء دم المجني عليه، ويشترط على طالب هذه البراوة عدم الإختلاط بعمراء دمه السابقين، أو مساعدتهم زمن اعتزاله فقط، وفي حال ثبوت نصرته أو مساعدته لهم، يدفع لعائلة المجني عليه غرامة مقدارها “ربع دية رجل”

وفي الحلقة القادمة يحدثنا الشيخ عثمان أبو الزعالة عن “دربة النزالة” وما فيها من أحكام

الوسوم