فتاة الواحة التي تخطت تقاليد سيوة والتحقت بالجامعة في السبعينيات

فتاة الواحة التي تخطت تقاليد سيوة والتحقت بالجامعة في السبعينيات

في واحة سيوة الواقعة جنوبي غرب مدينة مرسى مطروح بصحراء مصر الغربية، داخل بيئة لم يكن يعتاد أهلها إلحاق بناتهم بالتعليم، نظرا للعادات والتقاليد، وأيضا بسبب الظروف المعيشية للأسر، خرجت منذ قرابة 6 عقود فتاة لتكسر هذه التقاليد لتدخل الجامعة، مدعومة بوالدها الذي كان يعد أحد أثرياء الصحراء.

زمزم الابنة السابعة لأحد أثرياء سيوة وهو علي  أحمد صالح حيده، والذي كان له نفوذ قوي وعلاقات قوية مع قادة الدولة المصرية آنذاك، لم ترتضي بمصير كل فتيات واحة الغروب، وهو الزواج وتربية الأطفال.

فقبل ستة عقود ماضية، استقبلت واحة أمون “سيوة” نبأ التحاق “زمزم”، بمرحلة التعليم الابتدائي، لتخالف بهذا عادات وتقاليد الصحراء، مستندة على قوة نفوذ أبيها وثروته الطائلة، على عكس باقي فتيات الواحة.

تلميذة تابة الكبيرة الوحيدة

ولدت زمزم حيدة في عام 1953، بمنطقة تابة الكبيرة بمدينة سيوة، وكان ترتيبها السابع بين إخوتها، حيث ألحقها والدها بمرحلة التعليم الابتدائي في مدرسة آمون الابتدائية عام 1959، حيث لم يكن بسيوة في ذلك الوقت سوى هذه المدرسة، بجانب واحدة أخرى تدعى “مدرسة اغورمي الابتدائية”.

كانت زمزم هي الفتاة السيوية الوحيدة في فصلها مع 6 فتيات أخريات من محافظات أخرى، نظرا لطبيعة عمل آبائهن، بينما كان في دفعتها 30 طالبا من الذكور، حيث تشير فتاة الواحة إلى أنها تتلمذت على يد عدد من المعلمين منهم: عبدالرحمن الدميري، ومحمد هدية، ومحمد السنوسي، وأحمد محمد صالح شابودي، وإبراهيم باغي.

المرحلتين الإعدادية والثانوية

عقب الانتهاء من المرحلة الابتدائية، ونظرا لعدم وجود مدارس إعدادية بالواحة آنذاك، سافرت زمزم لمرسى مطروح، حيث المرحلة الإعدادية وكذلك الثانوية بمدينة مرسى مطروح وكانت المدرسة يطلق عليها مدرسة مطروح الإعدادية وكانت المدرسة الإعدادية الوحيدة بمحافظة مطروح، والتي سميت فيما بعد بـ”مدرسة الشهيد المعناوي”.

الالتحاق بكلية الطب والتخرج من الزراعة

تقول زمزم إن والدها كان على علاقة قوية بالرئيس الراحل أنور السادات، ونظرا لكونها الفتاة الأولى من سيوة التى تلتحق بالجامعة، قرر السادات استثناء أبناء محافظة مطروح والالتحاق بأي كلية، بهدف العمل على توفير كوادر تخدم المجتمع المحلي المطروحي، فالتحقت بكلية الطب، لكن بعد شهرين لم تتمكن فتاة الواحة، من الاستمرار في الكلية، بسبب عائق  اللغة الإنجليزية، وعدم تحملها مشاهدة تشريح الجثث.

انتقلت زمزم بعدها لكلية الزراعة بجامعة الإسكندرية “قسم البساتين”، وحصلت على بكالوريوس العلوم الزراعية عام 1979، مشيرة إلى أنها كانت تقيم في المدينة الجامعية طوال العام سواء صيفا أو شتاء.

ولم تكن الإسكندرية جديدة على فتاة الواحة، حيث كانت تقضي فترة الصيف مع أسرتها بمنطقة سيدى بشر، لكن أصعب المشكلات التي تواجه زمزم هي السفر والانتقال، حيث كانت تستغرق رحلة العودة إلى واحة سيوة أكثر من ثلاثة أيام.

وكان السفر قديما يتم من خلال سيارات نقل البضائع، فحسب زمزم كانت الرحلة من سيوة إلى مرسى مطروح تستغرق من يوم ونصف إلى يومين، وكان الأمر شاقا للغاية، حتى قرر الرئيس السادات عام 1975 أن تكون وسيلة السفر من خلال مروحية حربية “الهيلكوبتر”، عقب زيارة له في نفس العام.

الارتباط بقائد الطائرة والزواج من ضابط شرطة

تكشف زمزم أسرارا من حياتها الخاصة، موضحة أن أول ارتباط لها لم يكن بأحد أبناء سيوة، كما هو العرف السائد في هذا الوقت، فقد ارتبطت بطيار من القاهرة، وكان هو قائد الطائرة التي تقل المسافرين من سيوة لمرسى مطروح، أو القاهرة، لكن لم يتسن لها الزواج منه، لوفاته في حادث طائرة.

لكن لارتباط زمزم القوي بعائلة قائد الطائرة، كان النصيب في الزواج من أخيه ضابط الشرطة، موضحة أنها رزقت بأربعة أبناء، هم: “حسنى بكالوريوس العلوم، حسناء  ليسانس تاريخ، رشا بكالوريوس العلاج الطبيعي، على بكالوريوس تجارة”.

التدرج الوظيفي

عقب تخرجها في الجامعة، عينت فتاة الواحة بمديرية الزراعة في الجيزة، ونظرا لبعد المسافة فقد كانت تقطن بالقاهرة، ثم انتقلت للعمل بمديرية التموين بالقاهرة بقسم الرقابة التجارية.

وفي عام 1984، بسبب ظروف عمل زوجها انتقلت زمزم للعمل بمديرية الزراعة بمطروح حتى العام 1989، قبل أن تعود للعمل بمديرية تموين القاهرة حتى الخروج للمعاش عام 2013.

ممارسة السباحة ولعبة التنس

كانت زمزم تهوى ممارسة السباحة، فتقول إنها كانت تسبح من أمام بيتها بجوار مديرية أمن مطروح، حتى شاطئ روميل، كما كانت تمارس التنس بنادي الشرطة الرياضي بالقاهرة.

تأميم ثروة الأب وفسائل نخيل السويس

من المواقف التي لا تغيب عن مخيلة فتاة واحة آمون، أنها أثناء التحاقها بالتعليم كان المجتمع السيوي ينظر إليها بشكل من الغرابة والاستنكار أحيانا، فلم يكن المجتمع معتادا على خروج الفتاة السيوية للتعليم، ومن المواقف أيضا التي أرقتها عندما تم تأميم أموال والدها، حيث تعرضوا لحالة ضيق في المعيشة، وكانت حينها في المرحلة الثانوية.

لكن رغم ذلك تؤكد زمزم أن والدها أصر على استكمال تعليمها مهما كانت الظروف، مضيفة “كان يشجعني من خلال  الزيارات لكبار القوم من الوزراء والمحافظين لبيتنا، فقد كان يقول لها (عايزك زي الهوانم دول)، وكان من يقوم بزيارتنا يشجعني ويشد من أزري لأكمل  تعليمي”.

وتتذكر زمزم موقف آخر عندما أعطى لها والدها فسائل النخيل من سيوة، وقال لها عليك بتسليمها لمحافظة السويس وكان ذلك بعد عودة أهلها لها من التهجير، وفعلا سلمتها للمحافظة.

الوسوم