بقلم: سليمان إدريس

كأنَّ هناكَ مَنْ غرَسَ في صَدْرِ شخْصيَّتِنا بذْرَةً “ثقافَةً” وانْطلقَ على مَرِّ السنواتِ يرْويها ويوفِّرُ لها بكلِّ جِدٍّ واجْتِهادٍ سُبُلَ عيْشِها ونمائها بِلا كَلَلٍ أوْ مَلَلٍ بلْ و كثيرًا ما يُسَبِّبُ الأسبابَ لِلَفْتِ أنْظارِنا لأهمِّيَّةِ هذا الغرْسِ الَّذي أوْهَمَنا أنَّهُ مُبارَكٌ مُظْهِرًا لنا أهَمِّيَّتَه ومُحَذِّرًا مِنْ مَدَى الشَّقاءِ والجَحيمِ الَّذَيْنِ سنحْياهُما إذا مُجَرَّدَ فكَّرْنا أنْ نتخلَّصَ مِنْه يوْمًا أوْ حتَّى نبْتعِدَ عنْ بَرَكَةِ شَجَرَتِه النَّوْرانيَّة.

إنَّها “الشَّقاء” هذه هِيَ الفكرَةُ إذْ أنَّ غارِسَها قدْ رأى ولِغَرَضٍ ما في نَفْسِهِ أهمِّيَّةَ أنْ نحيا فى شقاءٍ دائمٍ، ومِنْ أجْلِ ألَّا نَثُورَ على هذا الشقاءِ أوْ على الأقَلِّ لا نشْكو مُرَّهُ أوْ نتَألَّمَ مِنْ معاناتِه راحَ يؤكِّدَ لنا على “الحلاوة” النهايَةِ السعيدةِ لأهلِ الشقاءِ ومُشْتَرِطًا عليْنا أنَّه لنتذوَّقَ هذه “الحلاوةَ” عليْنا أنْ ننجَحَ في اجتيازِ صِراطَ الشقاءِ مُشِيرًا للقاعدةِ التى ألَّفَها هو نفْسُه سَلَفًا لتخْدُمَ فكْرَتَه  هي “مفيش حلاوة من غير نار”.

واعتمدَ في نَشْرِ هذا المنهجِ القميئ و تَرْسيخِه فى أغْوارِنا عليْنا نحْنُ أنْفُسِنا مُسْتَغِلًّا مبالغَتَنا في الأمورِ وغلوَّنا في الأشياءِ وقدْ نجحَ، حيْثُ راحَ هذا يتحدَّثُ عنْ برَكَةِ الشقاءِ.

وانْطلقَ ذاكَ يتغنَّى بالسعادةِ المؤمَّلَةِ جَرَّاءَ الشقاءِ بلْ و بلَغَ بنا الأمْرُ بِأنْ صِرْنا نستغْرِبُ بلُوغَ شيءٍ مِنْ دونِ شقاءِ قائلين مُتَعَجِّبين “دا ساهل!؟” و الأدْهى مِنْ ذلِكَ أنَّ الغُلُوَّ في اقتناعِنا بـ”واجِبِ” الشقاءِ أخذَنا إلى طريقٍ لمْ يخطرْ بلوغُها أصْلًا على بالِ غارِسِ فكرةِ الشقاءِ فينا وهي أنَّنا أصبحنا “أُمَّ جميل” حيثُ صارتْ الغالِبِيَّةُ مُتَطَوِّعَةً تضعُ العراقيلَ أمامَ بعْضِها البعْضِ وذلكَ على أنَّها قاعدةٌ مُقَدَّسَةٌ “معقولة أنوِّلَهالو بالساهل كدا!؟” أو “لازم يشقى شوية”.

لقدْ بلغَ الأمْرُ بالغالِبِيَّةِ أنْ صارُوا يسْخَرُون منْ العامِلِ الذى يسْتَخْدِمُ قُفَّازًا آمِلينَ و داعينَ لهُ أنْ يخْلَعَهُ لتتشقَّقّ يدُهُ وتُدْمِي مِنْ أجْلِ أنْ يُقالَ عَنْ يَدِهِ “هَذِه يَدٌ يحبُّها الله” مدَّعينَ “ضِمْنِيًّا” على اللهِ كَذِبًا وافْتِراءً أنَّ العامِلَ إذا أتْقَنَ عمَلَه وهو محافظٌ على نفْسِه ومظهرِه سيبغضُه اللهُ وعلى العاملِ أنْ يكونَ مُعانِيًا جسَدِيًّا وسيِّئَ المظهرِ.

وبغَضِّ النظَرِ عن الاتْقانِ أو الإنْتاجِ المهِمُّ “أنْ ينامَ كَلًّا من عملِ يدِه”، الأمْرُ الَّذي دفعَ البعْضَ الى كراهيَةِ استخدامِ الآلَةِ و تفضيلِ العملِ باليَدِ، لا يا سادة، ليسَ الشقاءُ شَرْطَ الحَياةِ السعيدة، لا يُشْتَرَطُ أنْ يُكْوَى المَرْؤ بالنيرانِ حتَّى يتذوَّقَ الحَلْوَى، لكِنْ لأنَّنا تُرْبَةٌ صالِحَةٌ لمِثْلِ هذه التُرَّهاتِ فقد نَمَتْ فينا وترَعْرَعَتْ بلْ و أزيد:

سَرَتْ كالنَّارِ فى حَطَبٍ هَشِيمٍ،، أُوَارٌ لا يُقاوِمُهُ لِحَاءُ

كاتب المقال رئيس جمعية التواصل العربية للأداب والفنون ورعاية المواهب

الوسوم